الجصاص
304
أحكام القرآن
فأراد بالعمق هذا الذاهب على وجه الأرض ، فالعميق أن البعيد لذهابه على وجه الأرض ، قال الشاعر : يقطعن نور النازح ( 1 ) العميق يعني البعيد . وقد روت أم حكيم بنت أمية عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من أهل بالمسجد الأقصى بعمرة أو بحجة غفر له ما تقدم من ذنبه " . وروى أبو إسحاق عن الأسود أن ابن مسعود أحرم من الكوفة بعمرة . وعن ابن عباس أنه أحرم من الشام في الشتاء ، وأحرم ابن عمر من بيت المقدس ، وعمران بن حصين أحرم من البصرة . وروى عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال : سئل علي عن قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) [ البقرة : 196 ] قال : " أن تحرم بهما من دويرة أهلك " . وقال علي وعمر : " ما أرى أن يعتمر إلا من حيث ابتدأ " . وروي عن مكحول قال : قيل لابن عمر : الرجل يحرم من سمرقند أو من خراسان أو البصرة أو الكوفة ؟ فقال : " يا ليتنا نسلم من وقتنا الذي وقت لنا " ، فكأنه كرهه في هذا الحديث لما يخاف من مواقعة ما يحظره الإحرام لا لبعد المسافة . باب التجارة في الحج قال الله تعالى : ( ليشهدوا منافع لهم ) . روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : " التجارة وما يرضى الله من أمر الدنيا والآخرة " . وروى عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين عن ابن عباس قال : " أسواق كانت ، ما ذكر المنافع إلا للدنيا " . وعن أبي جعفر : " المغفرة " . قال أبو بكر : ظاهره يوجب أن يكون قد أريد به منافع الدين وإن كانت التجارة جائزة أن تراد ، وذلك لأنه قال : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ) فاقتضى ذلك أنهم دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم ، ومحال أن يكون المراد منافع الدنيا خاصة لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى الحج واقعا لمنافع الدنيا ، وإنما الحج الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر الهدي وسائر مناسك الحج ، ويدخل فيها منافع الدنيا على وجه التبع والرخصة فيها دون أن تكون هي المقصودة بالحج ، وقد قال الله تعالى : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) [ البقرة : 198 ] فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج ، وقد ذكرنا ما روي فيه في سورة البقرة .
--> ( 1 ) قوله : " نور النازح " هكذا في أكثر النسخ ، وفي بعضها : " بعد النازح " فليحرر ( لمصححه ) .